محمد الحميدي
567
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
والمصريّين من أكابر أصحاب مالك بن أنس ، بعد انتفاعه بمالك وملازمته . وكان مالك يسمّيه « عاقل الأندلس » ؛ وكان سبب ذلك ، فيما روي ، أنه كان في مجلس مالك مع جماعة من أصحابه ، فقال قائل : قد خطر الفيل ، فخرجوا ولم يخرج ، فقال له مالك : ما لك لم تخرج لتنظر الفيل ، [ 165 ب ] وهو لا يكون في بلادك ؟ فقال له : لم أرحل لأبصر الفيل ، وإنّما رحلت لأشاهدك وأتعلّم من علمك وهديك ، فأعجبه ذلك منه وسماه عاقل الأندلس . وإليه انتهت الرّئاسة بالفقه في الأندلس ، وبه انتشر مذهب مالك هنالك ، وتفقّه به جماعة لا يحصون ، وروى عنه غير واحد ، منهم : ابناه عبيد اللّه وإسحاق ، وأبو عبد اللّه محمد بن وضّاح ، وزياد بن محمد بن زياد شبطون ، وإبراهيم بن قاسم بن هلال ، ومحمد بن أحمد العتبيّ ، وإبراهيم بن محمد بن باز ، ويحيى بن حجّاج ، ومطرّف بن عبد الرّحمن - وقيل : عبد الرحيم - بن إبراهيم ، وعجنّس بن أسباط الزّباديّ ، وعمر بن موسى الكنانيّ ، وعبد المجيد ابن عفّان البلويّ ، وعبد الأعلى بن وهب ، وعبد الرّحمن بن محمد بن أبي مريم ابن السّعديّ ، وسليمان بن نصر بن منصور المرّيّ ، وأصبغ بن الخليل ، وإبراهيم بن شعيب ، وغيرهم . وآخر من وجدت منهم موتا ابنه عبيد اللّه ، وقد اعتبرت من أوردت منهم . وكان مع إمامته ودينه مكينا عند الأمراء ، معظّما ، وعفيفا عن الولايات ، متنزّها ، جلّت درجته عن القضاء ، فكان أعلى قدرا من القضاة عند ولاة الأمر هنالك لزهده في القضاء وامتناعه منه . سمعت الفقيه الحافظ أبا محمد عليّ بن أحمد ، يقول : مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرّئاسة والسّلطان : مذهب أبي حنيفة ، فإنه لمّا ولي قضاء القضاة أبو يوسف كانت القضاة من قبله ، فكان لا يولّي قضاء البلاد ؛ من أقصى المشرق إلى أقصى أعمال إفريقيّة ، إلا أصحابه والمنتمين إلى مذهبه ، ومذهب مالك بن أنس عندنا ، فإنّ يحيى بن يحيى كان مكينا عند السّلطان ، مقبول القول في القضاة ، فكان لا يلي قاض في أقطارنا إلا بمشورته واختياره ، ولا يشير إلا